الشيخ محمد رشيد رضا
184
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
العامة كلها يسر لا عسر ولا حرج فيها ، ولا في معرفتها وثبوتها وحدودها ، وانها وسط بين إفراط الغلاة المشددين ، وتفريط المترفين المتساهلين ، ومن مبالغة الخلف في تحديد الظواهر مع التفريط في إصلاح الباطن من البر والتقوى ، انهم حددوا أول الفجر وضبطوه بالدقائق وزادوا عليه في الصيام إمساك عشرين دقيقة قبله للاحتياط ، والواقع ان تبين بياض النهار لا يظهر للناس إلا بعده بعشرين دقيقة تقريبا وأما وقت المغرب فيزيدون فيه على وقت الغروب التام خمس دقائق على الأقل ويشترط بعض الشيعة فيه ظهور بعض النجوم . وهذا نوع من اعتداء حدود اللّه تعالى ولكنه اجتهاد لا تعمد ، والثابت في السنة ندب تعجيل الفطور وتأخير السحور وجملة القول إن وقت بدء الصيام من كل يوم موضع اجتهاد وأخذ الناس كلهم أو أكثرهم فيه بقول أئمة المذاهب المدونة المتبعة أضبط وأحوط وأوفى بحاجة سكان الأمصار . بيد أنه يجب إعلام عامة المسلمين في الدروس الدينية وخطب الجمعة وفي الصحف المنشرة أيضا بأن وقت الامساك الذي يرونه في التقاويم ( النتائج ) والصحف انما وضع لتنبيه الناس إلى قرب طلوع الفجر الذي يجب فيه بدء الصيام كصلاة الفجر ليتعجل المتأخر في سحوره اتباعا للسنة باتمامه والاستعداد للصلاة ولا سيما الذين يذهبون إلى صلاة الجماعة في المساجد ، وان من أكل وشرب حتى طلوع الفجر الذي تصح فيه صلاته ولو بدقيقة واحدة فان صيامه صحيح . وان من أكل أو شرب ظانا بقاء الليل فظهر له بعد ذلك أنه انما أكل بعد طلوع الفجر صح صيامه ، ولكن يتأكد الاحتياط في مباشرة النساء ليتيسر التغليس بصلاة الفجر مسألة تعجيل الفطر وتأخير السحور وما بينه وبين صلاة الفجر قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر » متفق عليه من حديث سهل بن سعد ( رض ) وروى أحمد من حديث أبي ذرانه ( ص ) قال « ما تزال أمتي بخير ما أخروا السحور وعجلوا الفطر » ولكن في اسناده سليمان ابن أبي عثمان قال أبو حاتم مجهول . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم « يقول اللّه تعالى ان أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا » رواه أحمد والترمذي وقال حسن غريب من حديث